أحمد زكي صفوت

41

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

ولو أن شيئا مستقيما على الناس ، ومنقادا حيث قيد ، لكان الصدق هو ذلك ، ولا يعتبر بالمقاييس ، فإنه لو أراد أن يقوده الصدق لم ينقد له ، وذلك أن رجلا لو قال : أتأمرني أن أصدق فلا أكذب كذبة أبدا ، لكان جوابه أن يقول : نعم ، ثم لو التمس منه قود « 1 » ذلك فقال : أأصدق في كذا وكذا ، حتى يبلغ به أن يقول : أأصدق في رجل هارب ، استدلّتى عليه طالب ليظلمه فيقتله ، لكسر عليه قياده ، وكان الرأي له أن يترك ذلك ، وينصرف إلى المجتمع عليه المعروف المستحسن . ومما يذكّر به أمير المؤمنين أهل الشام ، فإنهم أشدّ الناس مؤنة ، وأخوفهم عداوة وبائقة ، وليس يؤاخذهم أمير المؤمنين بالعداوة ، ولا يطمع منهم في الاستجماع على المودّة ، فمن الرأي في أمرهم أن يختصّ أمير المؤمنين منهم خاصّة ، ممن يرجو عنده صلاحا ، أو يعرف منه نصيحة أو وفاء ، فإن أولئك لا يلبثون أن ينفصلوا عن أصحابهم في الرأي والهوى ، ويدخلوا فيما حملوا عليه من أمرهم ، فقد رأينا أشباه أولئك من أهل العراق الذين استدخلهم أهل الشام ، ولكن أخذ في أمر أهل الشام على القصاص « 2 » . حرموا كما كانوا يحرمون الناس ، وجعل فيئهم إلى غيرهم كما كان فىء غيرهم إليهم ، ونحّوا عن المنابر والمجالس والأعمال كما كانوا ينحّون عن ذلك من لا يجهلون فضله في السابقة والموضع ، ومنعت منهم المرافق كما كانوا يمنعون الناس أن ينالوا معهم أكلة من الطعام الذي يصنعه أمراؤهم للعامّة ، فإذا رغب أمير المؤمنين بنفسه عن هذه السّيرة وما أشبهها ، فلم يعارض « 3 » ما عاب ، ولم يمثّل ما سخط ؟ كان العدل أن يقتصر بهم على فيئهم ، فيجعل ما خرج من كور الشام فضلا عن النفقات ،

--> ( 1 ) الفود : والمعنى أن يتابع الصدق في كل ما يقول . ( 2 ) في الأصل « وليس أحد في أمر أهل السلم على القصاص » وقد أصلحته كما ترى . ( 3 ) أي لم يأتي بمثله .